الخميس، 29 أغسطس 2013

غرابة الدنيا ..

اعتدنا أن نرى الدنيا بغرابتها ونعتبرها شيئًا طبيعيًا .. نرى صراع العقل والمنطق مع القلب .. وتضارب المشاعر في جوف كلٍّ منا .. ومع ذلك نرى أن الدنيا طبيعية .. والغرابة هذه أثّرت علينا بطريقة مختلفة جعلتنا نرى تصرفاتنا اعتيادية .. فمن الطبيعي جدا أن يتعلق إنسان بآخر تعلقًا شديدًا والآخر في وادٍ آخر .. بل وقد يكون لا يراه تمامًا .. من الطبيعي أيضا أن يعشق اثنان بعضهما وفي ليلة وضحاها ينتهي كل شيء وكأنه لم يكن .. أن يحب شخصٌ آخر حبًا أبديًا وكأن حبيبه لن يرقد يومًا تحت التراب .. أنّ كلمة قد يتلفّظ بها شخصٌ فتجرح .. وقد ينطق بذات الكلمة فتداوي جرحًا عيا الزمان أن يداويه ..

من السنن الكونية الغريبة في هذه الدنيا -والتي هي من تأليفي وإلهام شخص مقرّب لي ولا يوجد أي مرجع لها- .. هي أن الإنسان يجب أن يعيش ويشعر بكل المشاعر الموجودة في هذه الحياة .. مشاعر قد يدفع عمره ليتقرّب من بعضها ويبتعد عن الباقي .. أن يتقرب من مشاعر الحب والراحة والسعادة والطمأنينة .. وأن يبتعد عن الكراهية والألم والحزن والخوف .. أن يتذوق مرارة  الحسد والحقد والظلم والقهر .. أن يشتاق ويفقتد .. أن يخون ويكذب .. أن يتمنى موقفًا يكوِّن منه ذكرى أو يتمنى نسيانه للأبد .. أن يستشعر قلبه يُعْتَصَر وحنجرته تُغَص ولا يفهم السبب فيطلق عليها مسمى "ضيقة" .. وأنه لن يموت حتى يشعر بتلك المشاعر جميعها .. شعور يصل لأعماق القلب .. فيصل إلى السبعين من عمره ويشعر أنه قد اكتفى من الدنيا وما فيها .. فيتمنى ذاك الشعور .. آخر ما سيشعر به في هذه الحياة .. ألا وهو الموت ..

فحين يتشبّع الإنسان من كمية الغرابة التي يتلقاها في هذه الدنيا .. تختلط عنده المفاهيم .. فيكون كما قال الدكتور مصطفى محمود:" لا يوجد وهم يبدو كأنه حقيقة مثل الحب .. ولا حقيقة نتعامل معها وكأنها وهم مثل الموت" ..